فصل: تفسير الآية رقم (18)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏67 - 68‏]‏

‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏67‏)‏ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا فاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ‏}‏ عطف الأخيرين على الفاكهة عطف جبريل وميكال عليهما السلام على الملائكة بياناً لفضلهما، وقيل‏:‏ إنهما في الدنيا لما لم يخلصا للتفكه فإن النخل ثمرة فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء عداً جنساً آخر فعطفا على الفاكهة وإن كان كل ما في الجنة للتفكه لأنه تلذذ خالص، ومنه قال الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه‏:‏ إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباً لم يحنث، وخالفه صاحباه ثم إن نخل الجنة ورمانها وراء ما نعرفه‏.‏

أخرج ابن المبارك‏.‏ وابن أبي شيبة‏.‏ وهناد‏.‏ وابن أبي الدنيا‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ وآخرون عن ابن عباس نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكرانيفها ذهب أحمر وسعفها كسوة أهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد وليس له عجم وحكمه حكم المرفوع‏.‏ وفي حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً أصوله فضة وجذوعه فضة وسعفه حلل وحمله الرطب الخ‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم‏.‏ وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب» وهذا المدح بحسب الظاهر دون المدح في قوله تعالى في الجنتين السابقتين‏:‏ ‏{‏فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 52‏]‏ ومن ذهب إلى تفضيلهما يقول إن التنوين في فاكهة للتعميم بقرينة المقام نظير ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 14‏]‏ فيكون في قوة فيها كل ‏{‏فاكهة‏}‏ ويزيد ما في «النظم الجليل» على ما ذكر بتضمنه الإشارة إلى مدح بعض أنواعها، وقال الإمام الرازي‏:‏ إن ‏{‏مَا‏}‏ هنا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ‏}‏ وذلك لأن الفاكهة أنواع أرضية وشجرية كالبطيخ وغيره من الأرضيات المزروعات والنخل وغيرها من الشجريات فقال تعالى‏:‏ ‏{‏مُدْهَامَّتَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 64‏]‏ لأنواع الخضر التي فيها الفواكه الأرضية، وفيها أيضاً الفواكه الشجرية وذكر سبحانه منها نوعين الرطب والرمان لأنهما متقابلان أحدهما حلو والآخر فيه حامض، وأحدهما حار والآخر بارد، وأحدهما فاكهة وعذاء والآخر فاكهة، واحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره تكون في غاية الطول والآخر ليس كذلك، وأحدهما ما يؤكل منه بارز وما لا يؤكل كامن والآخر بالعكس فهما كالضدين، والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 17‏]‏ انتهى، ولعل الأول أولى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏فِيهِنَّ خيرات‏}‏ صفة أخرى لجنتان، أو خبر بعد خبر للمبتدأ المحذوف كالجملة التي قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة الكلام في ضمير الجمع هنا كالكلام فيه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهِنَّ قاصرات الطرف‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 56‏]‏ و‏{‏خيرات‏}‏ قال أبو حيان‏:‏ جمع خيرة وصف بني على فعلة من الخير كما بنوا من الشر فقالوا شرة، وقال الزمخشري‏:‏ أصله ‏{‏خيرات‏}‏ بالتشديد فخفف كقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «هينون لينون» وليس جمع خير بمعنى أخير فإنه لا يقال فيه خيرون ولا خيرات، ولعله لأن أصل اسم التفضيل أن لا يجمع خصوصاً إذا نكر، وقرأ بكر بن حبيب‏.‏ وأبو عثمان النهدي‏.‏ وابن مقسم ‏{‏خيرات‏}‏ بتشديد الياء وهو يؤيد أن أصله كذلك، وروي عن أبي عمرو ‏{‏خيرات‏}‏ بفتح الياء كأنه جمع خائرة جمع على فعلة ‏{‏حِسَانٌ‏}‏ قيل‏:‏ أي حسان الخَلق والخلق‏.‏

وأخرج عبد الرزاق‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية‏:‏ ‏{‏خيرات‏}‏ الأخلاق ‏{‏حِسَانٌ‏}‏ الوجوه، وأخرج ذلك ابن جرير‏.‏ والطبراني‏.‏ وابن مردويه عن أم سلمة مرفوعاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏حُورٌ‏}‏ بدل من ‏{‏خيرات‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 70‏]‏ وهو جمع حوراء وكذا جمع أحور، والمراد بيض كما أخرجه ابن المنذر‏.‏ وغيره عن ابن عباس وروته أم سلمة أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن الأثير‏:‏ الحوراء هي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها، وفي «القاموس» الحور بالتحريك أن يشتد بياض العين وسواد سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها‏.‏ أو شدة بياضها وسوادها في بياض الجسد، أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها، وإذا صح حديث أم سلمة لم يعدل في القرآن عن تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏مقصورات فِى الخيام‏}‏ أي مخدرات يقال‏:‏ امرأة قصيرة ومقصورة أي مخدرة ملازمة لبيتها لا تطوف في الطرق، قال كثير عزة‏:‏

وأنت التي حبّبت كل قصيرة *** إليّ ولم تشعر بذاك القصائر

عنيت ‏(‏قصيرات الحجال‏)‏‏}‏ ولم أرد *** قصار الخطا شر النساء البحاتر

والنساء يمدحن بملازمتهن البيوت لدلالتها على صيانتهن كما قال قيس بن الأسلت‏:‏

وتكسل عن جاراتها فيزرنها *** وتغفل عن أبياتهن «فتعذر»

وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس‏.‏ والحسن‏.‏ والضحاك وهو رواية عن مجاهد، وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وهناد بن السري‏.‏ وابن جرير عنه أنه قال‏:‏ ‏{‏مقصورات‏}‏ قلوبهن وأبصارهن ونفوسهن على أزواجهن، والأول أظهر، و‏{‏فِى الخيام‏}‏ عليه متعلق بمقصورات، وعلى الثاني يحتمل ذلك، ويحتمل كونه صفة ثانية لحور فلا تغفل، والخيام جمع خيمة وهي على ما في «البحر» بيت من خشب وثمام وسائر الحشيش، وإذا كان من شعر فهو بيت ولا يقال له خيمة‏.‏ وقال غير واحد‏:‏ هي كل بيت مستدير أو ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر أو كل بيت يبنى من عيدان الشجر وتجمع أيضاً على خيمات وخيم بفتح فسكون وخيم بالفتح وكعنب والخيام هنا بيوت من لؤلؤ أخرج ابن أبي شيبة وجماعة عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وأخرج جماعة عن أبي الدرداء أنه قال‏:‏ الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون باباً من در، وأخرج البخاري‏.‏ ومسلم‏.‏ والترمذي‏.‏ وغيرهم عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن، إلى ذلك من الأخبار، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فِيهِنَّ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 70‏]‏ الخ دون ما تقدم في الجنتين السابقتين أعني قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فِيهِنَّ قاصرات الطرف‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 56‏]‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 58‏]‏ في المدح عند من فضلهما على الأخيرتين قيل لما في ‏{‏مقصورات‏}‏ على التفسير الثاني من الإشعار بالقسر في القصر، وأما على تفسيره الأول فكونه دونه ظاهر وإن لم يلاحظ كونها مخدرة فيما تقدم، أو يجعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان‏}‏ كناية عنه لأنهما مما يصان كما قيل‏:‏

جوهرة أحقاقها الخدور *** ومن ذهب إلى تفضيل الأخيرتين يقول‏:‏ هذا أمدح لعموم ‏{‏خيرات حِسَانٌ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 70‏]‏ الصفات الحسنة خَلقاً وخُلُقاً ويدخل في ذلك قصر الطرف وغيره مما يدل عليه التشبيه بالياقوت والمرجان، والمراد بالقاصر على التفسير الثاني لمقصورات القاصر الطبيعي بقرينة المقام فيكون فيه إشارة إلى تعذر ترك القصر منهن، و‏{‏قاصرات الطرف‏}‏ ربما يوهم أن القصر باختيارهن فمتى شئن قصرن ومتى لم يشأن لم يقصرن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏73‏)‏‏}‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏74‏]‏

‏{‏لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ‏}‏ الكلام فيه كالكلام في نظيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏75‏]‏

‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏75‏)‏‏}‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏76‏]‏

‏{‏مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ‏(‏76‏)‏‏}‏

‏{‏مُتَّكِئِينَ‏}‏ قيل‏:‏ بتقدير يتنعمون متكئين أو أعني متكئين، والضمير لأهل الجنتين المدلول عليهم بذكرهما ‏{‏على رَفْرَفٍ‏}‏ اسم جنس أو اسم جمع واحده رفرفة، وعلى الوجهين يصح وصفه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُضْرٍ‏}‏ وجعله بعضهم جمعاً لهذا الوصف ولا يخفى أن أمر الوصفية لا يتوقف على ذلك الجعل، وفسره في الآية عليّ كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وابن عباس‏.‏ والضحاك بفضول المحابس وهي ما يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه، وقال الجوهري‏:‏ الرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس واشتقاقه من رف إذا ارتفع، وقال الحسن فيما أخرجه ابن المنذر وغيره عنه هي البسط‏.‏

وأخرج عن عاصم الجحدري أنها الوسائد، وروي ذلك عن الحسن أيضاً‏.‏ وابن كيسان وقال الجبائي‏:‏ الفرش المرتفعة، وقيل‏:‏ ما تدلى من الأسرة من غالي الثياب، وقال الراغب‏:‏ ضرب من الثياب مشبهة بالرياض، وأخرج ابن جرير‏.‏ وجماعة عن سعيد بن جبير أنه قال‏:‏ الرفرق رياض الجنة، وأخرج عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس وهو عليه كما في «البحر» من رف النبت نعم وحسن، ويقال الرفرف لكل ثوب عريض وللرقيق من ثياب الديباج ولأطراف الفسطاط والخباء الواقعة على الأرض دون الأطناب والأوتاد، وظاهر كلام بعضهم أنه قيل بهذا المعنى هنا وفيه شيء ‏{‏وَعَبْقَرِىّ‏}‏ هو منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن فينسبون إليه كل عجيب غريب من الفرش وغيرها فمعناه الشيء العجيب النادر، ومنه ما جاء في عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه فلم أرى عبقرياً يفري فريه، ولتناسي تلك النسبة قيل‏:‏ إنه ليس بمنسوب بل هو مثل كرسي وبختي كما نقل عن قطرب، والمراد الجنس ولذلك وصف بالجمع وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حِسَانٌ‏}‏ حملاً على المعنى، وقيل‏:‏ هو اسم جمع أو جمع واحده عبقرية، وفسره الأكثرون بعتاق الزرابي، وعن أبي عبيدة هو ما كله وشي من البسط‏.‏

وروى غير واحد عن مجاهد أنه الديباج الغليظ، وعن الحسن أنها بسط فيها صور وقد سمعت ما نقل عنه في الرفرف فلا تغفل عما يقتضيه العطف‏.‏

وقرأ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه‏.‏ ونصر بن عاصم الجحدري‏.‏ ومالك بن دينار‏.‏ وابن محيصن‏.‏ وزهير الفرقبي‏.‏ وغيرهم رفارف جمع لا ينصرف ‏{‏حَضَرَ‏}‏ بسكون الضاد، وعباقري بكسر القاف وفتح الياء مشددة، وعنهم أيضاً ضم الضاد، وعنهم أيضاً فتح القاف قاله صاحب اللوامح، ثم قال أما منع الصرف من عباقري‏.‏ فلمجاورته لرفارف يعني للمشاكلة وإلا فلا وجه لمنع الصرف مع ياءي النسب إلا في ضرورة الشعر انتهى‏.‏

وقال ابن خالويه‏:‏ قرأ على رفارف خضر وعباقري النبي صلى الله عليه وسلم، والجحدري‏.‏

وابن محيصن، وقد روي عمن ذكرنا على رفارف خضر وعباقري بالصرف، وكذلك روي عن مالك بن دينار، وقرأ أبو محمد‏.‏ المروزي وكان نحوياً على رفارف خضار بوزن فعال، وقال صاحب الكامل‏:‏ قرأ رفارف بالجمع ابن مصرف‏.‏ وابن مقسم‏.‏ وابن محيصن، واختاره شبل‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ والجحدري‏.‏ والزعفراني وهو الاختيار لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُضْرٍ‏}‏، وعباقري بالجمع وبكسر القاف من غير تنوين ابن مقسم‏.‏ وابن محيصن، وروي عنهما التنوين‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ قرأ زهير القرقبي رفارف بالجمع وترك الصرف، وأبو طعمة المدني‏.‏ وعاصم فيما روي عنه رفارف بالصرف‏.‏ وعثمان رضي الله تعالى عنه كذلك، وعباقري بالجمع والصرف، وعنه وعباقري بفتح القاف والياء على أن اسم الموضع عباقر بفتح القاف، والصحيح فيه عبقر، وقال الزمخشري‏:‏ قرىء عباقري كمدايني‏.‏

وروى أبو حاتم عباقري بفتح القاف ومنع الصرف وهذا لا وجه لصحته، وقال الزجاج‏:‏ هذه القراءة لا مخرج لها لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب فلو جمعت عبقري قلت‏:‏ عباقرة نحو مهلبى ومهالبة ولا تقول مهالبي‏.‏

وقال ابن جني‏:‏ أما ترك صرف عباقري فشاذ في القياس ولا يستنكر شذوذه مع استعماله، وقال ابن هشام‏:‏ كونه من النسبة إلى الجمع كمدايني باطل فإن من قرأ بذلك قرأ رفارف خضر بقصد المجانسة ولو كان كما ذكر كان مفرداً ولا يصح منع صرفه كمدايني وقد صحت الرواية بمنعه الصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو من باب كرسي وكراسي وهو من صيغة منتهى الجموع لكنها خالفت القياس في زيادة ما بعد الألف على المعروف كما ذكره السهيلي، وقال صاحب الكشف‏:‏ فتح القاف لا وجه له بوجه والمذكور في المنتقى عن النبي صلى الله عليه وسلم الكسر‏.‏

وأما منع الصرف فليس بمتعين ليرد بل وجهه أنه نصب على محل رفرف على حد يذهبن في نجد وغوراً‏.‏ وإضافته إلى ‏{‏حِسَانٌ‏}‏ مثل إضافة حور إلى ‏{‏عين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 22‏]‏ في قراءة عكرمة كأنه قيل‏:‏ عباقري مفارش، أو نمارق حسان فهو من باب أخلاق ثياب لأن أحد الوصفين قائم مقام الموصوف، ولعل عبقر وعباقر مثل عرفة وعرفات انتهى، فأحط بجوانب الكلام ولا تغفل، وقرأ ابن هرمز ‏{‏خُضْرٍ‏}‏ بضم الضاد وهي لغة قليلة ومن ذلك قول طرفة‏:‏ أيها القينات في مجلسنا *** جرّد، وا منها وراداً «وشقر»

وقول الآخر‏:‏ وما انتميت إلى خود ولا «كشف» *** ولا لئام غداة الروع أو زاع

فشقر جمع أشقر، وكشف جمع أكشف وهو من ينهزم في الحرب، هذا والوصف بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ‏}‏ الخ دون الوصف بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 76‏]‏ عند القائل بتفضيل الجنتين السابقتين لما في هذا الوصف من الإشارة إلى أن الظهائر مما يعجز عنها الوصف‏.‏

ومن ذهب إلى تفضيل الأخيرتين يقول‏:‏ الرفرف ما يطرح على ظهر الفراش وليست الفرش التي يطرح عليها الرفرف مذكورة فيجوز أن يكون ترك ذكرها للإشارة إلى عدم إحاطة الوصف بها ظهارة وبطانة وهو أبلغ من الأول، ولا يسلم أن تلك الفرش هي العبقري، أو يقول الرفرف الفرش المرتفعة وترك التعرض لسوى لونها وهو الخضرة التي ميل الطباع إليها أشد وهي جامعة لأصول الألوان الثلاثة على ما بينه الإمام يشير إلى أنها مما لا تكاد تحيط بحقيقتها العبارات، وقد يقال غير ذلك فتأمل، وينبغي على القول بتفضيل الأخيرتين وكونهما لطائفة غير الطائفة المشار إليهم بمن خاف أن لا يفسر من خاف بمن له شدة الخوف بحيث يختص بأفضل المؤمنين وأجلهم، أو يقال إنهما مع الأوليين لمن خاف مقام ربه ويكون المعنى ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ‏}‏ أيضاً ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏ صفتهما كيت وكيت من دون تينك الجنتين، وعليه قيل‏:‏ ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 62‏]‏ عطف على ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 46‏]‏ قبله ‏{‏وَمِن دُونِهِمَا‏}‏ في موضع الحال، وذهب بعضهم إلى أن هاتين الجنتين سواء كانتا أفضل من الأوليين أم لا لمن خاف مقام ربه عز وجل فله يوم القيامة أربع جنان‏.‏

قال الطبرسي‏:‏ والأخيرتان دون الأوليين أي أقرب إلى قصره ومجالسه ليتضاعف له السرور بالتنقل من جنة إلى جنة على ما هو معروف من طبع البشر من شهوة مثل ذلك وهو أبعد عن الملل الذي طبع عليه البشر، وأنت تعلم أن الآية تحتمل ذلك احتمالاً ظاهراً لكن ما تقدم من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه يأباه فإذا صح ولو موقوفاً إذ حكم مثله حكم المرفوع لم يكن لنا العدول عما يقتضيه، وقد روي عنه أيضاً حديث مرفوع ذكره الجلال السيوطي في «الدر المنثور» يشعر بأن الجنان الأربع هي جنان الفردوس‏.‏

وأخرج عنه أحمد‏.‏ والبخاري‏.‏ ومسلم‏.‏ والترمذي‏.‏ والنسائي‏.‏ وابن ماجه‏.‏ وغيرهم أنه قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ جنان الفردوس أربع‏.‏ جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما‏.‏ وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ‏"‏ والظاهر على هذا أنه يشترك الألوف في الجنة الواحدة من هذه الجنان، ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 46‏]‏ الخ عليه مما لا يخفى، ثم إن قاصرات الطرف إن كنّ من الإنس فهنّ أجل قدراً وأحسن منظراً من الحور المقصورات في الخيام بناءاً على أنهن النساء المخلوقات في الجنة‏.‏

فقد جاء من حديث أم سلمة ‏"‏ قلت يا رسول الله‏:‏ أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين‏؟‏ قال‏:‏ نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، قلت‏:‏ يا رسول الله وبم ذاك‏؟‏ قال‏:‏ بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الوجوه خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن ألا نحن الخالدات فلا نموت أبداً ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً طوبى لمن كنا له وكان لنا ‏"‏

إلى غيره من الأخبار ويكون هذا مؤيداً للقول بتفضيل الجنتين الأوليين على الأخيرتين ولعله إنما قدم سبحانه ذكر الاتكاء أولاً على ذكر النساء لأنه عز وجل ذكر في صدر الآية الخوف حيث قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 46‏]‏ فناسب التعجيل بذكر ما يشعر بزواله إشعاراً ظاهراً وهو الاتكاء فإنه من شأن الآمنين، وأخر سبحانه ذكره ثانياً عن ذكرهن لعدم ما يستدعي التقديم وكونه مما يكون للرجل عادة بعد فراغ ذهنه عما يحتاجه المنزل من طعام وشراب وقينة تكون فيه، وإذا قلنا‏:‏ إن الحور كالجواري في المنزل كان أمر التقديم والتأخير أوقع، وقال الإمام في ذلك‏:‏ إن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم متنعمون دائماً لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستوفز وعند قضاء وطره يغتسل وينتشر في الأرض للكسب، ومنهم من يكون متردداً في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى أهله ويستريح عما لحقه من تعب قبل قضاء الوطر أو بعده فالله عز وجل قال في أهل الجنة‏:‏ ‏{‏مُتَّكِئُونَ‏}‏ قبل اجتماعهم بأهاليهم متكئون بعد الاجتماع ليعلم أنهم دائمون على السكون، ولا يخفى أن هذا على ما فيه لا يحسم السؤال إذ لقائل أن يقول لم لم يعكس أمر التقديم والتأخير في الموضعين مع أنه يتضمن الإشارة إلى ذلك أيضاً، ثم ذكر في ذلك وجهاً ثانياً وهو على ما فيه مبني على ما لا مستند له فيه من الآثار فتدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏

‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏77‏)‏‏}‏

‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ وقوله عز وجل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ‏(‏78‏)‏‏}‏

‏{‏تبارك اسم رَبّكَ‏}‏ تنزيه وتقديس له تعالى فيه تقرير لما ذكر في هذه السورة الكريمة من آلائه جل شأنه الفائضة على الأنام، فتبارك بمعنى تعالى لأنه يكون بمعناه وهو أنسب بالوصف الآتي، وقد ورد في الأحاديث «تعالى اسمه» أي تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ما صدرت به السورة من اسم ‏{‏الرحمن‏}‏ المنبىء عن إفاضة الآلاء المفصلة، وارتفع مما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها جحود نعمائه وتكذيبها، وإذا كان حال اسمه تعالى بملابسة دلالته عليه سبحانه كذلك فما ظنك بذاته الأقدس الأعلى‏؟‏‏؟‏‏.‏

وقيل‏:‏ الاسم بمعنى الصفة لأنها علامة على موصوفها، وقيل‏:‏ هو مقحم كما في قول من قال‏:‏

ثم اسم السلام عليكما ***، وقيل‏:‏ هو بمعنى المسمى، وزعم بعضهم إن الأنسب بما قصد من هذه السورة الكريمة وهو تعدد الآلاء والنعم تفسير ‏{‏تبارك‏}‏ بكثرت خيراته ثم إنه لا بعد في إسناده بهذا المعنى لاسمه تعالى إذ به يستمطر فيغاث ويستنصر فيعان، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذِى الجلال‏}‏ صفة للرب ووصف جل وعلا بذلك تكميلاً لما ذكر من التنزيه والتقرير، وقرأ ابن عامر‏.‏ وأهل الشام ذو بالرفع على أنه وصف للاسم ووصفه بالجلال والإكرام بمعنى التكريم واضح‏.‏

هذا ومن باب الإشارة‏:‏ في بعض الآيات ‏{‏مُّقْتَدِرِ الرحمن عَلَّمَ القرءان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 1، 2‏]‏ إشارة إلى ما أودعه سبحانه في الأرواح الطيبة القدسية من العلوم الحقانية الإجمالية عند استوائه عز وجل على عرض الرحمانية ‏{‏خَلَقَ الإنسان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 3‏]‏ الكامل الجامع ‏{‏عَلَّمَهُ البيان‏}‏ وهو تفصيل تلك العلوم الإجمالية ‏{‏فَإِذَا قرأناه فاتبع قُرْءانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 18، 19‏]‏ ‏{‏الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 5‏]‏ يشير إلى شمس النبوة وقمر الولاية الدائرتين في فلك وجود الإنسان بحساب التجليات ومراتب الاستعدادات، و‏{‏النجم‏}‏ القوى السفلية ‏{‏والشجر‏}‏ الاستعدادات العلوية ‏{‏يَسْجُدَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 6‏]‏ يتذللان بين يديه تعالى عند الرجوع إليه سبحانه ‏{‏والسماء‏}‏ سماء القوى الإلهية القدسية ‏{‏رَفَعَهَا‏}‏ فوق أرض البشرية ‏{‏وَوَضَعَ الميزان‏}‏ القوة المميزة ‏{‏أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الميزان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 8‏]‏ لا تتجاوزوا عند أخذ الحظوظ السفلية وإعطاء الحقوق العلوية‏.‏

وجوز أن يكون ‏{‏الميزان‏}‏ الشريعة المطهرة فإنها ميزان يعرف به الكامل من الناقص ‏{‏والارض‏}‏ أرض البشرية ‏{‏وَضَعَهَا‏}‏ بسطها وفرشها ‏{‏لِلاْنَامِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 10‏]‏ للقوى الإنسانية ‏{‏فِيهَا فاكهة‏}‏ من فواكه معرفة الصفات الفعلية ‏{‏والنخل ذَاتُ الاكمام‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 11‏]‏ وهي الشجرة الإنسانية التي هي المظهر الأعظم وذات أطوار كل طور مستور بطور آخر ‏{‏والحب‏}‏ هو حب الحب المبذور في مزارع القلوب السليمة من الدغل ‏{‏ذُو العصف‏}‏ أوراق المكاشفات ‏{‏والريحان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 12‏]‏ ريحان المشاهدة ‏{‏رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين‏}‏

‏[‏الرحمن‏:‏ 17‏]‏ رب مشرق شمس النبوة ومشرق قمر الولاية في العالم الجسماني ورب مغربهما في العالم الروحاني ‏{‏مَرَجَ البحرين‏}‏ بحر سماء القوى العلوية وبحر أرض القوى السفلية ‏{‏يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 19، 20‏]‏ حاجز القلب ‏{‏يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 22‏]‏ أنواع أنوار الأسرار ونيران الأشواق ‏{‏وَلَهُ الجوار‏}‏ سفن الخواطر المسخرة في بحر الإنسان ‏{‏تُكَذّبَانِ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 26‏]‏ ما شم رائحة الوجود ‏{‏ويبقى وَجْهُ رَبّكَ‏}‏ الجهة التي تليه سبحانه وهي شؤوناته عز وجل ‏{‏ذُو الجلال‏}‏ أي الاستغناء التام عن جميع المظاهر ‏{‏والإكرام‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 27‏]‏ الفيض العام يفيض على القوابل حسبما استعدت له وسألته بلسان حالها، وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُهُ مَن فِى السموات والارض‏}‏ الخ، واستدل الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 29‏]‏ على شرف التلون، وكذا استدل به على عدم بقاء الجوهر آنين، وعلى هذا الطرز ما قيل في الآيات بعد، وذكر بعض أهل العلم أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 13‏]‏ قد ذكر إحدى وثلاثين مرة، ثمانية منها عقيب تعداد عجائب خلقه تعالى‏.‏ وذكر المبدأ والمعاد، وسبعة عقيب ذكر ما يشعر بالنار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وثمانية في وصف الجنتين الأوليين ومثلها في وصف الجنتين اللتين دونهما على عدد أبواب الجنة فكأنه أشير بذلك إلى أن من اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الجنتين من الله تعالى ووقاه جهنم ذات الأبواب السبعة؛ والله تعالى أعلم بإشارات كتابه وحقائق خطابه ودقائق كلامه التي لا تحيط بها الأفهام وتبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام‏.‏

‏[‏سورة الواقعة‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

بسْم الله الرحمن الرحيم ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الواقعة‏}‏ أي إذا حدثت القيامة على أن ‏{‏وَقَعَتِ‏}‏ بمعنى حدثت و‏{‏الواقعة‏}‏ علم بالغلبة أو منقول للقيامة، وصرح ابن عباس بأنها من أسمائها وسميت بذلك للإيذان بتحقق وقوعها لا محالة كأنها واقعة في ونفسها مع قطع النظر عن الوقوع الواقع في حيز الشرط فليس الإسناد كما في جاءني جاء فإنه لغو لدلالة كل فعل على فاعل له غير معين، وقال الضحاك‏:‏ ‏{‏الواقعة‏}‏ الصيحة وهي النفخة في الصور، وقيل‏:‏ ‏{‏الواقعة‏}‏ صخرة بيت المقدس تقع يوم القيامة وليس بشيء، و‏{‏إِذَا‏}‏ ظرف متضمن معنى الشرط على ما هو الظاهر، والعامل فيها عند أبي حيان الفعل بعدها فهي عنده في موضع نصب بوقعت كسائر أسماء الشرط وليست مضافة إلى الجملة، والجمهور على إضافتها فقيل‏:‏ هي هنا قد سلبت الظرفية ووقعت مفعولاً به لا ذكر محذوفاً، وقيل‏:‏ لم تسلب ذلك وهي منصوبة بليس، وصنيع الزمخشري يشعر باختياره‏.‏

وقيل‏:‏ بمحذوف وهو الجواب أي ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الواقعة‏}‏ كان كيت وكيت، قال في «الكشف» هذا الوجه العربي الجزل فالنصب بإضمار اذكر إنما كثر في إذ، وبليس إنما يصح إذا جعلت لمجرد الظرفية وإلا لوجب الفاء في ليس، وأبو حيان تعقب النصب بليس بأنه لا يذهب إليه نحوي لأن ليس في النفي ك ‏{‏مَا‏}‏ وهي لا تعمل، فكذا ليس فإنه مسلوبة الدلالة على الحدث والزمان، والقول‏:‏ بأنها فعل على سبيل المجاز، والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث فحيث لا حدث فيها لا عمل لها فيه، ثم ذكر نحو ما ذكر «صاحب الكشف» من وجوب الفاء في ليس إذا لم تجرد عن الشرطية؛ واعترض دواه أن ‏{‏مَا‏}‏ لا تعمل بأنهم صرحوا بجواز تعلق الظرف بها لتأويلها بانتفى وأنه يكفي له رائحة الفعل، ويقال عليها في ذلك ليس، وكذا دعوى وجوب الفاء في ليس إذا لم تجرد ‏{‏إِذَا‏}‏ عن الشرطية بأن لزوم الفاء مع الأفعال الجامدة إنما هو في جواب إن الشرطية لعملها كما صرحوا به‏.‏ وأما ‏{‏إِذَا‏}‏ فدخول الفاء في جوابها على خلاف الأصل‏.‏ وسيأتي إن شاء الله تعالى فيها قولان آخران، وبعد القيل والقال الأولى كون العامل محذوفاً وهو الجواب كما سمعت‏.‏ وفي إبهامه تهويل وتفخيم لأمر الواقعة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ‏}‏ إما اعتراض يؤكد تحقيق الوقوع‏.‏ أو حال من الواقعة كما قال ابن عطية، و‏{‏كَاذِبَةٌ‏}‏ اسم فاعل وقع صفة لموصوف محذوف أي نفس، وقيل‏:‏ مقالة والأول أولى لأن وصف الشخص بالكذب أكثر من وصف الخبر به‏.‏ و‏{‏الواقعة‏}‏ السقطة القوية وشاعت في وقوع الأمر العظيم وقد تخص بالحرب ولذا عبر بها هنا واللام للتوقيت مثلها في قولك‏:‏ كتبته لخمس خلون أي لا يكون حين وقوعها نفس كاذبة على معنى تكذب على الله تعالى وتكذب في تكذيبه سبحانه وتعالى في خبره بها، وإيضاحه أن منكر الساعة الآن مكذب له تعالى في أنها تقع وهو كاذب في تكذيبه سبحانه لأنه خبر على خلاف الواقع وحين تقع لا يبقى كاذباً مكذباً، بل صادقاً مصدقاً، وقيل‏:‏ على معنى ليس في وقت وقوعها نفس كاذبة في شيء من الأشياء، ولا يخفى أن صحته مبنية على القول بأنه لا يصدر من أحد كذب يوم القيامة؛ وأن قولهم‏:‏ ‏{‏والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 23‏]‏ مجاب عنه بما هو مذكور في محله أو اللام على حقيقتها، و‏{‏كَاذِبَةٌ‏}‏ صفة لذلك المحذوف أيضاً أي ‏{‏لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا‏}‏ نفس كاذبة بمعنى لا ينكر وقوعها أحد ولا يقول للساعة لم تكوني لأن الكون قد تحقق كما يقول لها في الدنيا بلسان القول أو الفعل لأن من اغتر بزخارف الدنيا فقد كذب الساعة في وقعتها بلسان الحال لن تكوني، وهذا كما تقول لمخاطبك ليس لنا ملك ولمعروفك كاذب أي لا يكذبك أحد فيقول‏:‏ إنه غير واقع، وفيه استعارة تمثيلية لأن الساعة لا تصلح مخاطباً إلا على ذلك إما على سبيل التخييل من باب لو قيل‏:‏ للشحم أين تذهب، وهو الأظهر وإما على التحقيق، وجوز كون ‏{‏كَاذِبَةٌ‏}‏ من قولهم كذبت نفسه وكذبته إذا منته الأماني وقربت له الأمور البعيدة وشجعته على مباشرة الخطب العظيم، واللام قيل‏:‏ على حقيقتها أيضاً أي ليس لها إذا وقعت نفس تحدث صاحبها باطاقة شدتها واحتمالها وتغريه عليها‏.‏

وفي «الكشف» إن اللام على هذا الوجه للتوقيت كما على الوجه الأول، وجوز أيضاً كون ‏{‏كَاذِبَةٌ‏}‏ مصدراً بمعنى التكذيب وهو التثبيط وأمر اللام ظاهر أي ليس لوقعتها ارتداد ورجعة كالحملة الصادقة من ذي سطوة قاهرة؛ وروى نحوه عن الحسن‏.‏ وقتادة، وذكر أن حقيقة التكذيب بهذا المعنى راجعة إلى تكذيب النفس إلى كذبها وإغرائها وتشجيعها وأنشد على ذلك لزهير‏:‏ ليث بعثر يصطاد الرجال إذا *** ما الليث ‏(‏كذب عن أقرانه‏)‏‏}‏ صدقاً

ويجوز جعل الكاذبة بمعنى الكذب على معنى ليس للوقعة كذب بل هي وقعة صادقة لا تطاق على نحو حملة صادقة، وحملة لها صادق أو على معنى ليس هي في وقت وقوعها كذب لأنه حق لا شبهة فيه، ولعل ما ذكر أظهر مما تقدم وإن روى نحوه عمن سمعت‏.‏ نعم قيل‏:‏ عليهما إن مجيء المصدر على زنة الفاعل نادر، وقوله عز وجل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ‏}‏ خبر مبتدأ محذوف أي هي خافضة لأقوام رافعة لآخرين كما قال ابن عباس، وأخرجه عنه جماعة، والجملة تقرير لعظمتها وتهويل لأمرها فإن الوقائع العظام شأنها الخفض والرفع كما يشاهد في تبدل الدول وظهور الفتن من ذل الأعزة وعز الأذلة، وتقديم الخفض على الرفع لتشديد التهويل، أو بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى درجات الجنات، وعلى هذا قول عمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ خفضت أعداء الله تعالى إلى النار ورفعت أولياءه إلى الجنة، أو بيان لما يكون من ذلك ومن إزالة الأجرام عن مقارها ونثر الكواكب وتسيير الجبال في الجو كالسحاب، والضحاك بعد أن فسر الواقعة بالصيحة قال‏:‏ خافضة تخفض قوتها لتسمع الأدنى ‏{‏رَّافِعَةٌ‏}‏ ترفعها لتسمع الأقصى، وروى ذلك أيضاً عن ابن عباس‏.‏ وعكرمة، وقدر أبو علي المبتدأ مقروناً بالفاء أي فهي ‏{‏خَافِضَةٌ‏}‏ وجعل الجملة جواب إذا فكأنه قيل‏:‏ ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الواقعة‏}‏ خفضت قوماً ورفعت آخرين، وقرأ زيد بن علي‏.‏ والحسن‏.‏ وعيسى‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وابن أبي عبلة‏.‏ وابن مقسم‏.‏ والزعفراني‏.‏ واليزيدي في اختياره ‏{‏خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ‏}‏ بنصبهما، ووجه أن يجعلا حالين عن الواقعة على أن ‏{‏لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 2‏]‏ اعتراض أو حالين عن وقعتها، وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إِذَا رُجَّتِ الارض رَجّاً‏}‏ أي زلزلت وحركت تحريكاً شديداً بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل متعلق بخافضة أو برافعة على أنه من باب الأعمال، أو بدل من ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 1‏]‏ كما قال به غير واحد، وقال ابن جني‏.‏ وأبو الفضل الرازي‏:‏ ‏{‏إِذَا رُجَّتِ‏}‏ في موضع رفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ‏}‏ وليست واحدة منهما شرطية بل هي بمعنى وقت أي وقت وقوعها وقت رج الأرض، وادعى ابن مالك أن ‏{‏إِذَا‏}‏ تكون مبتدأ، واستدل بهذه الآية، وقال أبو حيان‏:‏ هو بدل من ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ‏}‏ وجواب الشرط عندي ملفوظ به وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأصحاب الميمنة‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 8‏]‏ والمعنى إذا كان كذا وكذا، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم وما أعظم ما يجازون به أي إن سعادتهم وعظم رتبهم عند الله عز وجل تظهر في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم، وقيه بعد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ‏(‏5‏)‏‏}‏

أي فتت كما قال ابن عباس‏.‏ ومجاهد حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لتّه، وقيل؛ سيقت وسيرت من أماكنها من بس الغنم إذا ساقها فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسُيّرَتِ الجبال‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 20‏]‏‏.‏

وقرأ زيد بن علي ‏{‏رُجَّتِ وَبُسَّتِ‏}‏ بالبناء للفاعل أي ارتجت وتفتتت، وفي كلام هند بنت الخس تصف ناقة بما يستدل به على حملها عينها هاج وصلاها راج، وهي تمشي وتفاج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَانَتْ‏}‏ فصارت بسبب ذلك ‏{‏هَبَاء‏}‏ غباراً ‏{‏مُّنبَثّاً‏}‏ متفرقاً، والمراد مطلق الغبار عند الأكثرين، وقال ابن عباس‏:‏ هو ما يثور مع شاع الشمس إذا دخلت من كوة، وفي رواية أخرى عنه أنه الذي يطير من النار إذا اضطرمت‏.‏

وقرأ النخعي منبتاً بالتاء المنطوقة بنقطتين من فوق من البت بمعنى القطع، والمراد به ما ذكر من البث بالمثلثة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَكُنتُمْ‏}‏ خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليباً كما ذهب إليه الكثير، وقال بعضهم‏:‏ خطاب للأمة الحاضرة فقط، والظاهر إن كان أيضاً بمعنى صار أي وصرتم ‏{‏أزواجا‏}‏ أي أصنافاً ‏{‏ثلاثة‏}‏ وكل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج، قال الراغب‏:‏ الزوج يكون لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ولكل قرينين فيها، وفي غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضاداً وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8 - 9‏]‏

‏{‏فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏8‏)‏ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏فأصحاب الميمنة مَا أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة مَا أصحاب المشئمة‏}‏ تفصيل للأزواج الثلاثة مع الإشارة الاجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها، والدائر على ألسنتهم أن أصحاب الميمنة مبتدأ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أصحاب الميمنة‏}‏ ‏{‏مَا‏}‏ فيه استفهامية مبتدأ ثان‏.‏ و‏{‏أصحاب‏}‏ خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول والرابط الظاهر القائم مقام الضمير، وكذا يقال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأصحاب المشئمة‏}‏ الخ، والأصل في الموضعين ما هم‏؟‏ أي أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم فان ‏{‏مَا‏}‏ وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة لكنها قد تطلب بها الصفة والحال كما تقول ما زيد‏؟‏ فيقال‏:‏ عالم، أو طبيب فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في المقصود وهو التفخيم في الأول والتفظيع في الثاني، والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل‏:‏ ‏{‏فأصحاب الميمنة‏}‏ في غاية حسن الحال ‏{‏وأصحاب المشئمة‏}‏ في نهاية سوء الحال، وقيل‏:‏ جملة ‏{‏مَا أصحاب‏}‏ خبر بتقدير القول على ما عرف في الجملة الإنشائية إذا وقعت خبراً أي مقول في حقهم ‏{‏مَا أصحاب‏}‏ الخ فلا حاجة إلى جعله من إقامة الظاهر مقام الضمير وفيه نظر، و‏{‏الميمنة‏}‏ ناحية اليمين، أو اليمن والبركة، ‏{‏والمشأمة‏}‏ ناحية الشمال من اليد الشؤمى وهي الشمال، أو هي من الشؤم مقابل اليمن، ورجح إرادة الناحية فيهما بأنها أوفق بما يأتي في التفصيل، واختلفوا في الفريقين فقيل‏:‏ أصحاب الميمنة أصحاب المنزلة السنية، وأصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية أخذاً من تيمنهم بالميامن وتشؤمهم بالشمائل كما تسمع في السانح والبارح، وهو مجاز شائع، وجوز أن يكون كناية، وقيل‏:‏ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم، وقيل‏:‏ الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة والذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وقيل‏:‏ أصحاب اليمن وأصحاب الشؤم، فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم على أنفسهم بمعاصيهم، وروى هذا عن الحسن‏.‏ والربيع

‏[‏بم وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏المشئمة والسابقون السابقون‏}‏ هو الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة، ولعل تأخير ذكرهم مع كونهم أسبق الأصناف وأقدمهم في الفضل ليردف ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم على أن أيرادهم بعنوان السبق مطلقاً معرض عن إحرازهم قصب السبق من جميع الوجوه‏.‏

واختلف في تعيينهم فقيل‏:‏ هم الذين سبقوا إلى الايمان والطاعة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، وروى هذا عن عكرمة‏.‏ ومقاتل، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون‏.‏ وحبيب النجار الذي ذكر في يس‏.‏ وعليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وكل رجل منهم سابق أمته وعليّ أفضلهم، وقيل‏:‏ هم الذين سبقوا في حيازة الكمالات من العلوم اليقينية ومراتب التقوى الواقعة بعد الايمان، وقيل‏:‏ هم الأنبياء عليهم السلام لأنهم مقدموا أهل الأديان، وقال ابن سيرين‏:‏ هم الذين صلوا إلى القبلتين كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين والانصار‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 100‏]‏ وعن ابن عباس هم السابقون إلى الهجرة، وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه هم السابقون إلى الصلوات الخمس، وأخرج أبو نعيم‏.‏ والديلمي عن ابن عباس مرفوعاً أول من يهجر إلى المسجد وآخر من يخرج منه‏.‏

وأخرج عبد بن حميد‏:‏ وابن المنذر عن عبادة بن أبي سودة مولى عبادة بن الصامت قال‏:‏ بلغنا أنهم السابقون إلى المساجد والخروج في سبيل الله عز وجل، وعن الضحاك هم السابقون إلى الجهاد، وعن ابن جبير هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر، وقال كعب‏:‏ هم أهل القرآن، وفي «البحر» في الحديث ‏"‏ سئل عن السابقين فقال‏:‏ هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ‏"‏ وقيل‏:‏ الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم دام عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبته فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال، وعن ابن كيسان أنهم المسارعون إلى كل ما دعا الله تعالى إليه ورجحه بعضهم بالعموم، وجعل ما ذكر في أكثر الأقوال من باب التمثيل، وأياً ما كان فالشائع أن الجملة مبتدأ وخبر والمعنى ‏{‏والسابقون‏}‏ هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت فخامتهم كقوله‏:‏ أنا أبو النجم وشعري شعري *** وفيه من تفخيم شأنهم والإيذان بشيوع فضلهم ما لا يخفى، وقيل‏:‏ متعلق السبق مخالف لمتعلق السبق الثاني أي السابقون إلى طاعة الله تعالى ‏{‏السابقون‏}‏ إلى رحمته سبحانه، أو ‏{‏السابقون‏}‏ إلى الخير ‏{‏السابقون‏}‏ إلى الجنة، والتقدير الأول محكي عن صاحب المرشد‏.‏

وأنت تعلم أن الحمل مفيد بدون ذلك كما سمعت بل هو أبلغ وأنسب بالمقام وأياً ما كان فقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏أُوْلَئِكَ المقربون‏}‏، مبتدأ وخبر والجملة استئناف بياني، وقيل‏:‏ ‏{‏السابقون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 10‏]‏ السابق مبتدأ ‏{‏والسابقون‏}‏ اللاحق تأكيد له وما بعد خبر وليس بذاك أيضاً لفوات مقابلة ما ذكر لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأصحاب‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 8‏]‏ الخ ولأن القسمة لا تكون مستوفاة حينئذ، ولفوات المبالغة المفهومة من نحو هذا التركيب على ما سمعت مع أنهم أعني السابقين أحق بالمدح والتعجيب من حالهم من السابقين ولفوات ما في الاستئناف بأولئك المقربون من الفخامة وإنما لم يقل والسابقون ما السابقون على منوال الأولين لأنه جعل أمراً مفروغاً مسلماً مستقلاً في المدح والتعجيب، والإشارة بأولئك إلى السابقين ومافيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، و‏{‏المقربون‏}‏ من القربة بمعنى الحضوة أي أولئك الموصوفون بذلك النعت الجليل الذين أنيلوا حظوة ومكانة عند الله تعالى، وقال غير واحد‏:‏ المراد الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم‏.‏

هذا وفي الأرشاد الذي تقتضيه جزالة التنزيل أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأصحاب الميمنة‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 8‏]‏ خبر مبتدأ محذوف وكذا قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وأصحاب المشئمة‏}‏ وقوله جل شأنه‏:‏ ‏{‏والسابقون‏}‏ فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام‏.‏

وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليها، والتقدير فأحدها أصحاب الميمنة والآخر أصحاب المشأمة، والثالث السابقون خلا أنه لما أخر بيان أحوال القسمين الأولين عقب كلاً منهما بجملة معترضة بين القسمين منبئة عنت ترامي أحوالهما في الخير والشر إنباءاً إجمالياً مشعراً بأن لأحوال كل منهما تفصيلاً مترقباً لكن لا على أن ‏{‏مَا‏}‏ الاستفهامية مبتدأ وما بعدها خبر على مارآه سيبويه في أمثال بل على أنها خبر لما بعدها فإن مناط الإفادة بيان أن أصحاب الميمنة أمر بديع كما يفيده كون ‏{‏مَا‏}‏ خبراً لا بيان أن أمراً بديعاً أصحاب الميمنة كما يفيده كونها مبتدأ وكذا الحال في ‏{‏مَا أصحاب المشئمة‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 9‏]‏ وأما القسم الأخير فحيث قرن به بيان محاسن أحواله لم يحتج فيه إلى تقديم الأنموذج فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏السابقون‏}‏ مبتدأ والإظهار في مقام الإضمار للتفخيم و‏{‏أولئك‏}‏ مبتدأ ثان، أو بدل من الأول وما بعده خبر له، أو للثاني، والجملة خبر للأول انتهى، وقيل عليه‏:‏ أنه ليس في جعل جملتي الاستفهام وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏السابقون‏}‏ إخباراً لما قبلها بيان لأوصاف الأقسام وأحوالها تفصيلاً حتى يقال‏:‏ حقها أن تبين بعد أنفس الأقسام بل فيه بيان الأقسام مع إشارة إلى ترامي أحوالها في الخير والشر والتعجيب من ذلك‏.‏

وأيضاً مقتضى ما ذكره أن لا يذكر ‏{‏مَا أصحاب اليمين‏}‏ و‏{‏مَا أصحاب الشمال‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 14‏]‏ في التفصيل، وتعقب هذا بأن الذكر محتاج إلى بيان نكتة على الوجه الدائر على ألسنتهم كاحتياجه إليه على هذا الوجه، ولعلها عليه أنه لما عقب الأولين بما يشعر بأن لأحوال كل تفاصيل مترقبة أعيد ذلك للاعلام بأن الأحوال العجيبة هي هذه فلتسمع، والذي يتبادر للنظر الجليل ما في الإرشاد من كون أصحاب الميمنة وكذا كل من الأخيرين خبر مبتدأ محذوف كما سمعت لأن المتبادر بعد بيان الانقسام ذكر نفس الأقسام على أن تكون هي المقصودة أولاً وبالذات دون الحكم عليها وبيان أحوالها مطلقاً وإن تضمن ذلك ذكرها لكن ما ذكروه أبعد مغزى ومع هذا لا يتعين على ما ذكر كون تينك الجملتين الاستفهاميتين معترضتين بل يجوز أن يكون كل منهما صفة لما قبلها بتقدير القول كأنه قيل‏:‏ فأحدها أصحاب الميمنة المقول فيهم ‏{‏مَا أصحاب الميمنة‏}‏ وكذا يقال في ‏{‏وأصحاب المشئمة‏}‏ الخ، ويجعل أيضاً ‏{‏السابقون‏}‏ صفة للسابقون قبله، والتأويل في الوصفية كالتأويل في الخبرية ويكون الوصف بذلك قائماً مقام تينك الجملتين في المدح، والجملة بعد مستأنفة استئنافاً بيانياً كما في الوجه الشائع، وما يقال‏:‏ إن في هذا الوجه حذف الموصول مع بعض أجزاء الصلة يجاب عنه بمنع كون أل في الوصف حيث لم يرد منه الحدوث موصولة فتأمل ولا تغفل، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏فِي جنات النعيم‏}‏ متعلق بالمقربون، أو بمضمر هو حال من ضميره أي كائنين في جنات النعيم، وعلى الوجهين فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة لا كقرب خواص الملك القائمين بأشغاله عنده بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم ولا يرد عليهم أمر، أو نهي ولذا قيل‏:‏ ‏{‏فِي جنات النعيم‏}‏ دون جنات الخلود ونحوه، وقيل‏:‏ خبر ثان لاسم الإشارة وتعقب بأن الاخبار بكونهم فيها بعد الإخبار بكونهم مقربين ليس فيه مزيد مزية، وأجيب بأن الإخبار الأول للإشارة إلى اللذة الروحانية والإخبار الثاني للإشارة إلى اللذة الجسمانية‏.‏

وقرأ طلحة في جنة النعيم بالافراد، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين‏}‏ خبر مبتدأ مقدر أي هم ثلة الخ، وجوز كونه مبتدأ خبره محذوف أي منهم، أو خبراً أولاً أو ثانياً لأولئك وجوز أبو البقاء كونه مبتدأ والخبر ‏{‏على سُرُرٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 15‏]‏، والثلة في المشهور الجماعة كثرت أو قلّت، وقال الزمخشري‏:‏ الأمة من الناس الكثيرة وأنشد قوله‏:‏

وجاءت إليهم ‏(‏ثلة‏)‏‏}‏ خندفية *** ‏(‏بجيش كتيار من السيل مزبد

وقوله تعالى بعد‏:‏ ‏{‏وَقَلِيلٌ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 14‏]‏ الخ كفى به دليلاً على الكثرة انتهى، والظاهر أنه أنشد البيت شاهداً لمعنى الكثرة في الثلة فإن كانت الباء تجريدية وهو الظاهر فنص وإلا فالاستدلال عليها من أن المقام مقام مبالغة ومدح، وأما استدلاله بما بعد فذلك لأن التقابل مطلوب لأن الثلة لم توضع للقليل بالإجماع حتى يحمل ما بعد على التفنن بل هي إما للكثرة والاشتقاق عليهاأدل لأن الثل بمعنى الصب وبمعنى الهدم بالكلية، والثلة بالكسر الضأن الكثيرة وإما لمطلق الجماعة كالفرقة والقطعة من الثل بمعنى الكسر كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم إلا أن الاستعمال غلب على الكثير فيها فالمعنى جماعة كثيرة من الأولين وهم الناس المتقدمون من لدن آدم إلى نبينا عليهما الصلاة والسلام وعلى من بينهما من الأنبياء العظام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَلِيلٌ مّنَ الاخرين‏}‏ وهم الناس من لدن نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ولا يخالفه قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إن أمتي يكثرون سائر الأمم» أي يغلبونهم في الكثرة لأن أكثرية سابقي المتقدمين من سابقي هذه الأمة لا تمنع أكثرية تابعي هؤلاء من تابعي أولئك‏.‏

وحاصل ذكل غلبة مجموع هذه الأمة كثرة على من سواها كقرية فيها عشرة من العلماء ومائة من العوام وأخرى فيها خمسة من العلماء وألف من العوام فخواص الأولى أكثر من خواص الثانية وعوام الثانية ومجموع أهلها أضعاف أولئك، لا يقال يأبى أكثرية تابعي هؤلاء قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَثُلَّةٌ مّنَ الاخرين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 39-40‏]‏ فإنه في حق أصحاب اليمين وهم التابعون، وقد عبر كل بالثلة أي الجماعة الكثيرة لأنا نقول لأدلة في الآية على أكثر من وصف كل من الفريقين بالكثرة وذلك لا ينافي أكثرية أحدهما فتحصل أن سابقي الأمم السوالف أكثر من سابقي أمتنا‏.‏ وتابعي أمتنا أكثر من تابعي الأمم، والمراد بالأمم ما يدخل فيه الأنبياء وحينئذ لا يبعد أن يقال‏:‏ إن كثرة سابقي الأولين ليس إلا بأنبيائهم فما على سابقي هذه الأمة بأس إذ أكثرهم سابقو الأمم بضم الأنبياء عليهم السلام، وأخرج الإمام أحمد‏.‏ وابن المنذ‏.‏ ر وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ «لما نزلت ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَقَلِيلٌ مّنَ الاخرين‏}‏ شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَثُلَّةٌ مّنَ الاخرين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 39-40‏]‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني ‏"‏ وظاهره أنه شق عليهم قلة من وصف بها وأن الآية الثانية أزالت ذلك ورفعته وأبدلته بالكثرة، ويدل على ذلك ما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَقَلِيلٌ مّنَ الاخرين‏}‏ حزن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إذاً لا يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا قليل فنزلت نصف النهار ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَثُلَّةٌ مّنَ الاخرين‏}‏ فنسخت ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنَ الاخرين‏}‏ وأبى ذلك الزمخشري فقال‏:‏ إن الرواية غير صحيحة لأمرين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الآية الأولى واردة في السابقين، والثانية‏:‏ في أصحاب اليمين، والثاني أن النسخ في الأخبار غير جائز فإذا أخبر تعالى عنهم بالقلة لم يجز أن يخبر عنهم بالكثرة من ذلك الوجه وما ذكر من عدم جواز النسخ في الأخبار أي في مدلولها مطلقاً هو المختار‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز النسخ في المتغير إن كان عن مستقبل لجواز المحو لله تعالى فيما يقدره والاخبار يتبعه، وعلى هذا البيضاوي، وقيل‏:‏ يجوز عن الماضي أيضاً وعليه الإمام الرازي‏.‏

والآمدي، وأما نسخ مدلول الخبر إذا كان مما لا يتغير كوجود الصانع وحدوث العالم فلا يجوز اتفاقاً فإن كان ما نحن فيه مما يتغير فنسخه جائز عند البيضاوي ويوافقه ظاهر خبر أبي هريرة الثاني، ولا يجوز على المختار الذي عليه الشافعي وغيره فقول «صاحب الكشف»‏:‏ لا خلاف في عدم جواز النسخ في مثل ما ذكر من الخبر إذ لا يتضمن حكماً شرعياً لا يخلو عن شيء‏.‏

وأقول‏:‏ قد يتعقب ما ذكره الزمخشري بأن الحديث قد صح وورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين لا يرد مقتضاه فإنه يجوز أن يقال‏:‏ إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما سمعوا الآية الأولى حسبوا أن الأمر في هذه الأمة يذهب على هذا النهج فيكون أصحاب اليمين ثلة من الأولين وقليلاً منهم فيكثرهم الفائزون بالجنة من الأمم السوالف فحزنوا لذلك فنزل قوله تعالى في أصحاب اليمين‏:‏ ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَثُلَّةٌ مّنَ الاخرين‏}‏ وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما قال مما أذهب به حزنهم وليس في هذا نسخ للخبر كما لا يخفى‏.‏

وقول أبي هريرة فنسخت ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنَ الاخرين‏}‏ إن صح عنه ينبغي تأويله بأن يقال أراد به فأزالت حسبان أن يذكر نحوه في الفائزين بالجنة من هذه الأمة غير السابقين فتدبر، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها‏:‏ الفرقتان أي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَقَلِيلٌ مّنَ الاخرين‏}‏ في أمة كل نبي في صدرها ثلة وفي آخرها قليل، وقيل‏:‏ هما من الأنبياء عليهم السلام كانوا في صدر الدنيا كثيرين وفي آخرها قليلين‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ جاء في الحديث ‏"‏ الفرقتان في أمتي فسابق أول الأمة ثلة وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل ‏"‏ انتهى، وجاء في فرقتي أصحاب اليمين نحو ذلك، أخرج مسدد في مسنده‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والطبراني‏.‏ وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُلَّةٌ مّنَ الاولين وَثُلَّةٌ مّنَ الاخرين‏}‏ قال‏:‏ هما جميعاً من هذه الأمة، وأخرج جماعة بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً ما لفظه هما جميعاً من أمتي؛ وعلى هذا يكون الخطاب في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 7‏]‏ لهذه الأمة فقط‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ‏}‏ حال من المقربين أو من ضميرهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِي جنات النعيم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 12‏]‏ بناءاً على أنه في موضع الحال كما تقدم، وقيل‏:‏ هو خبر آخر للضمير المحذوف المخبر عنه أولاً بثلة وفيه وجه آخر أشرنا إلينا فيما مر، ‏{‏وموضونة‏}‏ من الوضن وهو نسج الدرع قال الأعشى‏:‏ ومن ‏(‏نسج داود‏)‏‏}‏ موضونة *** تسير مع الحي عيراً فعيرا

واستعير لمطلق النسخ أو لنسج محكم مخصوص، ومن ذلك وضين الناقة وهو حزامها لأنه موضون أي مفتول؛ والمراد هنا على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس مرمولة أي منسوجة بالذهب، وفي رواية عنه بقضبان الفضة، وقال عكرمة‏:‏ مشبكة بالدر والياقوت، وقيل‏:‏ ‏{‏سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ‏}‏ متصل بعضها ببعض كحلق الدرع، والمراد متقاربة، وقرأ زيد بن علي‏.‏ وأبو السمال ‏{‏سُرُرٍ‏}‏ بفتح الراء وهي لغة لبعض تميم، وكلب يفتحون عين فعل جمع فعيل المضعف نحو سرير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا‏}‏ حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور أعني ‏{‏على سرر‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 15‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏متقابلين‏}‏ حال منهم أيضاً ولك أن تعتبر الحالين متداخلين‏.‏

والمراد كما قال مجاهد‏:‏ لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه وهو وصف لهم بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق ورعاية الآداب وصفاء البواطن، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏يَطُوفُ عَلَيْهِمْ‏}‏ حال أخرى أو استئناف أي يدور حولهم للخدمة ‏{‏ولدان مُّخَلَّدُونَ‏}‏ أي مبقون أبداً على شكل الولدان وحد الوصافة لا يتحولون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت، وقال الفراء‏.‏ وابن جبير‏:‏ مقرطون بخلدة وهي ضرب من الأقراط قيل‏:‏ هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيآت فيعاقبوا عليها، وروى هذا أمير المؤمنين على كرم الله تعالى وجهه، وعن الحسن البصري واشتهر أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ أولاد الكفار خدم أهل الجنة وذكر الطيبي أنه لم يصح بل صح ما يدفعه؛ أخرج البخاري‏.‏ وأبو داود‏.‏ والنسائي عن عائشة قالت‏:‏ توفي صبي فقلت‏:‏ طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أو لا تدرين أن الله تعالى خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً، وفي رواية خلقهم لهما وهم في أصلاب آبائهم‏.‏

وأخرج أبو داود عنها أنها قالت‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ذراري المؤمنين فقال من آبائهم فقلت‏:‏ يا رسول الله بلا عمل قال‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين قلت‏:‏ يا رسول الله فذراري المشركين قال‏:‏ من آبائهم فقلت‏:‏ بلا عمل قال‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين، وقيل‏:‏ إنهم يمتحنون يوم القيامة فتخرج لهم نار ويؤمرون بالدخول فيها فمن دخلها وجدها برداً وسلاماً وأدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار مع سائر الكفار ويروون في ذلك أثراً‏.‏

ومن الغريب ما قيل‏:‏ إنهم بعد الإعادة يكونون تراباً كالبهائم، وفي «الكشف» الأحاديث متعارضة في المسألة وكذلك المذاهب، والمسألة ظنية والعلم عند الله تعالى وهو عز وجل أعلم انتهى؛ والأكثر على دخولهم الجنة بفضل الله تعالى ومزيد رحمته تبارك وتعالى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏بِأَكْوَابٍ‏}‏ بآنية لا عرا لها ولا خراطيم، والظاهر أنها الأقداح وبذلك فسرها عكرمة وهي جمع كوب ‏{‏وَأَبَارِيقَ‏}‏ جمع إبريق وهو إناء له خرطوم قيل‏:‏ وعروة، وفي «البحر» أنه من أواني الخمر، وأنشد قول عدي بن زيد‏:‏

ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت *** في ‏(‏قينة يمينها إبريق

وفيه أيضاً أنه إفعيل من البريق، وذكر غير واحد أنه معرب آب ريزاي صاب الماء وهو أنسب مما في بعض نسخ القاموس أنه معرب آب ري بلا زاي، وأياً ما كان فهو ليس مأخوذ من البريق، نعم الإبريق بمعنى المرأة الحسنة البراقة والسيف البراق والقوس فيها تلاميع مأخوذ من ذلك، ولعله يقول بأنه عربي لا معرب، وأن البريق مما فيه من الخمر والشعراء يصفونها بذلك كقوله‏:‏ ‏(‏مشعشعة‏)‏‏}‏ كأن الحص فيها *** إذا ما الماء خالطها سخيناً

أو لأنه غالباً يتخذ مماله نوع برق كالبلور والفضة ‏{‏وَكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ‏}‏ أي خمر جارية من العيون كما قال ابن عباس‏.‏ وقتادة أي لم يعصر كخمر الدنيا، وقيل‏:‏ خمر ظاهرة للعيون مرئية بها لأنها كذلك أهنأ، وأفرد الكأس على ما قيل لأنها لا تسمى كأساً إلا إذا كانت مملوءة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا‏}‏ أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها، والمراد أنهم لا يلحق رؤوسهم صداع لأجل خمار يحصل منها كما في خمور الدنيا، وقيل‏:‏ لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب كما تفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق‏.‏

وقرأ مجاهد ‏(‏لا يصدعون‏)‏‏}‏، بفتح الياء وشد الصاد على أن أصله يتصدعون فأدغم التاء في الصاد أي لا يتفرقون كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 43‏]‏، وقرىء ‏{‏لاَّ يُصَدَّعُونَ‏}‏ بفتح الياء والتخفيف أي لا يصدع بعضهم بعضاً ولا يفرقونهم أي لا يجلس داخل منهم بين اثنين فيفرق بين المتقاربين فإنه سوء الأدب وليس من حسن العشرة ‏{‏عَنْهَا يُنزَفُونَ‏}‏ قال مجاهد‏.‏ وقتادة‏.‏ والضحاك‏:‏ لا تذهب عقولهم بسكرها من نزف الشارب كعنى إذا ذهب عقله، ويقال للسكران نزيف ومنزوف، قيل‏:‏ وهو من نزف الماء نزحه من البئر شيئاً فشيئاً فكان الكلام على تقدير مضاف‏.‏

وقرأ ابن أبي اسحق‏.‏ وعبد الله‏.‏ والسلمي‏.‏ والجحدري‏.‏ والأعمش وطلحة‏.‏ وعيسى‏.‏ وعاصم كما أخرج عنه عبد بن حميد ‏{‏وَلاَ يُنزِفُونَ‏}‏ بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه، ومعناه صار ذا نزف؛ ونظيره أقشع السراب وقشعته الريح وحقيقته دخل في القسع، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً ‏{‏وَلاَ يُنزِفُونَ‏}‏ بفتح الياء وكسر الزاي قال‏:‏ في المجمع وهو محمول على أنه لا يفنى خمرهم، والتناسب بين الجملتين على ما سمعت فيهما أولا على قراءة الجمهور أن الأولى لبيان نفي الضرر عن الأجسام، والثانية لبيان نفي الضرر عن العقول وتأمل لتعرفه إن شاء الله تعالى على ما عدا ذلك‏.‏